محمود سالم محمد

411

المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي

وكلّ بيت حكى بيت العروض له * بالبيض والسّمر تقطيع وتفصيل وداخلت بالرّدى أجزاءه علل * غدا المرفّل منها وهو مجزول كأنّهم في محاريب ملائكة * وفي حروب أعاديهم رآبيل « 1 » فهنا نرى مدى احتفال البوصيري بالتشبيه ، في البيت الأول شبّه تواصل الأماني بحبل ، والحبل مربوط بالزور ، ليدل على استمرار هذه الأماني وتتابعها دون انقطاع ، وهذه الأماني هي التي تجعل الإنسان في غفلة عن الطاعة ، لذلك يطلب الشاعر من الغافل أن يقطع حبل الأماني ، وأن يتوقف عن تعلقه بزخارف الدنيا . وهذا التشبيه أعطى المعنى وضوحا وقوة ، وقرّبه إلى ذهن السامع ، حين شبه المعقول بالمحسوس . وفي البيت الثاني شبه الأرواح بالنجوم ، ليعرف المتلقي من حركة النجوم وغيابها كيف تتحرك الأرواح وترحل وزاد في طرافة الصورة وجمالها أن النجوم تلمع وتخفق في فضاء رحب ، وتكتنفها الأسرار في سيرها وظهورها واختفائها ، لا يعلم حركتها غير مدبر الكون وخالق الأرواح ، والتي هي من أمر اللّه تعالى . وفي الأبيات الثلاثة التالية ، وصف البوصيري معارك المسلمين ، وما حل بالمشركين بعدها ، فقد قطعت أوصالهم وتبعثرت ، وتخرمت بيوتهم المنون ، فشبه ذلك كله بالكتابة الغامضة المحتاجة إلى إعجام ، فرفع غموضها بالتنقيط والشكل ، وهنا نقلنا إلى مصطلحات الكتابة ، مستعينا بها على تكوين صورة فنية ، يوضع خلالها الحال التي كانت عليها جثث المشركين في أرض المعركة ، ولكن كيف يفهم الأمي الذي لا يعرف القراءة والكتابة هذه الصورة ، وكيف يتخيلها ؟ البوصيري يريد مجاراة أهل عصره ، وإظهار مقدرته على إطرافهم ، ولذلك حين يتابع ليظهر أثر هذه المعارك على بيوتات قريش ، يربط بين البيت وهو العائلة هنا وبين

--> ( 1 ) ديوان البوصيري ص 220 .